This is default featured slide 1 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.This theme is Bloggerized by Lasantha Bandara - Premiumbloggertemplates.com.

This is default featured slide 2 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.This theme is Bloggerized by Lasantha Bandara - Premiumbloggertemplates.com.

This is default featured slide 3 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.This theme is Bloggerized by Lasantha Bandara - Premiumbloggertemplates.com.

This is default featured slide 4 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.This theme is Bloggerized by Lasantha Bandara - Premiumbloggertemplates.com.

This is default featured slide 5 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.This theme is Bloggerized by Lasantha Bandara - Premiumbloggertemplates.com.

Friday, September 24, 2021

الصهوة و الصهيل (14)

                     


                  الرسالة التاسعة

 

2/3/1969

 

عزيزى /....

 

                                     مفاجأة

                           لقد وصلت الى الرقم (7)

 

لقد آن أن نفخر ، بكل طلاقة أن نفخر .. نحن أقوياء .. نحن كل شىء ونحن ضحاه وكان الله معنا ..

 

لا أستطيع أن أصف لك شعورى ، اقرأ خطابى الى أخى ..

 

سيكون خطابى هذا قصيرا ، فسبعة من (اليهود) .. ولا توجد خسائر عندنا بالنسبة للقناصة ..

 

حدثت 3 اشتباكات معنا ، بدون خسائر من جانبنا ، بينما كانت خسائر العدو 13 فردا ، 2 مدفع ماكينة ، 2 (كلمة غير واضحة) .

 

ملاحظة : هذه البيانات سرية ..

 

علك تكون قد شفيت ، رجائى الوحيد من الله أن أقابلك بعد هذه الانتصارات ، ان اشتياقى اليكم لا تحده حدود ، أهدى اليك " ألف ليلة وليلة" ، وأملى ألف (يهودى ويهودى) ياابراهيم .

 

سلامى للجميع ، وخاصة للصداقة التى أسهمت فى هذا الانجاز ..

 

                                                                                       أخــــــــــوك

 

 

                                             *

 

كان هذا رابع أيام عيد الأضحى المبارك ، وكانت هذه هى أضحية الحسين ، ولكن المفاجأة لم تكن فقط فى مضمون الخطاب ، وانما كانت هناك مفاجأة أخرى تعمدها تمشى على قدمين ، فقد كان حامل الخطاب هو الأخ فتحى !

 

لم أكن بالبيت عندما أحضر فتحى الخطابات فتركها على أن يعود ليرانى فى المساء ، لقد خامره الشك فى أن أكون نفس الشخص الذى التقاه على محطة الباص ذات ليلة فى تلك الضاحية البعيدة التى كان يسكن بها ، لكن بيت خاله كان قريبا ، وكان يريد أن يقطع الشك باليقين ، أما أنا فقد عرفت أنه هو ، قبل أن أراه ، لقد سماه حسين بالاسم وقرر أن يرسله الى ليؤكد لى حدسه .

 

                                           *

 

لم يكن يعلم بالطبع أن مديحة قد زارتنى ، وفجرت بزيارتها عددا من المشكلات : كانت تريدنى أن استحثه ليتم اجراءات الزواج بها ، فى الوقت الذى اكتشفت فيه عنها علاقات جديدة ، خاصة علاقتها بنديم ، وهل من المعقول أن أترك فتحى لشأنه معها مع كل ماأعرفه الآن عنها ، وكيف أقنعه فى نفس الوقت ألا يرتبط بعزيزة ؟

 

ترددت كثيرا فى الاتصال به انفاذا لوعدى لها ، فعاودت هى الاتصال بى ، فانتهزت الفرصة لمعرفة تفاصيل وظروف وطبيعة علاقتها بنديم ، ويبدو أنها كانت مستعدة لمواجهة هذا الموقف ، قالت : أريد مكانا هادئا لأحكى لك حكايتى .

 

وبعد أن احتست مشروبها ، أخرجت من حقيبتها عدة أوراق قدمتها لى ، كان بها خط نديم المتعثر ولغته الركيكة ..

 

                                          *

 

حاول عبد التواب أن يقرأ خطاب نديم ، لكنه يئس منذ الوهلة الأولى ، قلت : لاعليك .. هاهو الخطاب ..

 

                                          *

 

” هذه رسالتى الثانية التى أكتبه اليك :

 

أعلم جيدا ماالذى تم بينك وبين حلمى يوم الخميس أو الأربعاء الماضى ، حيث أنكما اتفقتما على اجراءات الطلاق ، أو الانفصال التام ، على أن يدفع لك مبلغ خمسة جنيهات كل شهر لمدة خمسة شهور.

 

وقد علمت بذلك من أشخاص أنت لاتعرفينهم بتاتا ، ولكنهم يعرفون كل شىء عنك وعن حلمى ، وتصلنى هذه الأخبار سواء فى المنزل أو محل عملى .

 

وقد اتصل الأخ حلمى يوم الجمعة الماضى ، وكان ذلك أثناء لقاء له مع عايدة فى الساعة الخامسة مساء فى مكان ما ، وطلب منى ان نلتقى معا يوم الجمعة القادم ولكنى للأسف سأكون فى ذلك اليوم فى عيادة الدكتور .... لاجراء عملية استئصال اللوزتين ، وبالتالى سأؤجل موعدى مع حلمى .

وأنا أريد أن أعرف لماذا طلبنى حلمى فى هذا الوقت بالذات ، وقد تم الانفصال بينك وبينه بالفعل ، ويبدو لى أن موضوع خطابى الأول لم يصل اليه كما قلت لى أنت ، لأننى كما أوضحت لك تصلنى كل أخبارك وأخبار حلمى يوميا وقد حاولت أن أنبهك الى هذا مرة عندما لمحت لك عن بعض الأشخاص الذين يقطنون فى نفس المنزل .

 

اننى أتمنى أن تبدئى حياة جديدة وأنا أقدر الظروف التى تمرين بها الآن ، ولذا فانى أقترح أن تطرقى مجالات العمل الرحبة ، لتبنى حياتك من جديد ، ولا تفكرى فى الزواج ، فالحياة ليست مجرد الزواج ، وأنا لاأقول لك هذا تهربا منى أو انسحابا ، ولكننى أشعر أنك أصبحت معقدة من مجرد ذكر كلمة الزواج .

 

ربما أكون قد أحطأت فى حقك ولكن لابد من ان أصارحك القول أننى كنت أعرف عندما كنت فى امبابة لتحديد موعد كتب الكتاب ، أنك فى هذا اليوم بالذات كنت على موعد مع شخص ما عند كازينو الرومانس ، وعلمت بعد ذلك أنك كنت سهرانة حتى الساعة الواحدة صباحا مع شخص ما حيث رافقك الى المنزل ، وأنك تلتقين كثيرا مع هذا الشخص .

 

قلت لك سابقا فى خطابى الأول أنى أقدر ظروفك ، ولمحت لك بهذا فى لقائنا بالرومانس ذلك أنك انسانة ومازلت صغيرة وتحتاجين الى من يقف الى جانبك ، ولكن للأسف كان اختيارك لحلمى غير موفق ، حيث نسى أن له زوجة أحق به من عايدة ، وأعتقد أنك كنت تعرفين أنه على علاقة بعايدة فأردت الانتقام منه فتصورت أنه بعلاقة تتم بينك وبين أى شخص تضعه الظروف أمامك هو فى حد ذاته اشباع لرغباتك الجنسية كامرأة ، ومن ناحية أخرى انتقام من حلمى ازاء علاقته تلك .

 

والآن أنا لا أعرف ماهى الأسباب التى دفعته لكى يطلبنى فى هذا الوقت بالذات ، وقد انتهت علاقته بك رسميا ، فأرجو الاتصال بى قبل الانتهاء من العملية ، وقبل أن ألتقى به ، لأنك تعرفين لماذا يطلبنى الآن ، وحتى لا أتكلم أى كلام يضرك .

 

مع العلم أن أحدا من أسرتى لا يعرف أننى سأجرى هذه العملية باستثناء أختى وقد كتبت لك العنوان الذى لا يعرفه أحد سواك .. “

 

                                           *

 

كان الخطاب مؤرخا قبل هذا اللقاء بحوالى سنتين ، واذن فقد عرفتنى وهى بعد متزوجة ، لم تكن قد طلقت بعد عندما قفزت من الناقذة بملابس النوم لتطلب مفتاحا وأجرة تاكسى ، وكان  حلمى هذا هو موظف التأمينات الذى طمع فى مكافأة زوجها الشهيد بحرب اليمن ومعاشه المقرر ، فتزوجها ــ رغم أنه كان على وشك الزواج بمن تدعى عايدة ، أو ربما كان متزوجا منها بالفعل ، ومن الواضح أنه كان يبحث عن أى وسيلة للتخلص منها ــ أى من مديحة ــ بعد أن حصل على مايريد ، وسلبها كل ماتملك بناء على توكيل وقعته له ، ولم يبق لها سوى بعض الأثاث بشقتها تلك ، ولو استطاع ربما لأجبرها على بيعه كما أخبرتنى فيما بعد.

 

وكانت تريد من خلال قراءتى للخطاب أن أصدق أنها مجنى عليها ، كلهم يعدونها بالزواج ، ويبدو أنها كفرت بالزواج كما يقول نديم ، فى تحليله النفسى الذى أعجب كيف توصل اليه ، والذى كان مفتاحا لى فى اكتشاف الحقيقة ، انها اذن تنتقم من الرجال جميعا ، تذكرت أنها قالت لى مرة فى بداية تعارفنا ، أن زوجها الأول ، كان قد تزوجها رغم أنف أسرته الثرية ، لأنه تدله فى حبها وهى تعرف أن الاشاعات كانت تلاحقها أنه قد اعتدى عليها قبل الزواج ، وعندما خشى الفضيحة أقدم على الزواج منها سرا ، ثم سافر الى اليمن وكل الناس تعرف قصتها ، ولكنه مات قبل اعلان هذا الزواج ، وتركها فريسة للألسنة .. فمن اذن سيقبل الارتباط بها ؟

 

وقالت من خلال دموعها : لقد خدعنى مرتين .. وخاننى مرتين

 

ولذا كان سهلا أن تقع فى براثن موظف التأمينات الذى عرف حكايتها كما قصتها على ، والذى كان يحمل نفس اسم زوجها الراحل ، فصاروا ثلاث مرت !

 

                                                *

 

لكننى ذكرتها أننى طلبت منها الزواج رغم أنف كل شىء ، شرط أن تترك شقتها الحالية فقد أصبحت أو ستصبح مطلقة ، ولا يستحب أن نستمر فى نفس المكان والحى ، لكنها رفضت هذا الشرط ، وقالت : انها تخاف من البهدلة ، وتخشى أن تتكرر مأساتها ، فيضيع منها ماتبقى لها : أى الشقة المستأجرة والأثاث الذى تملكه عن زوجها الشهيد !

 

وكانت حجة واهية ، وأسبابا ملفقة ، وحكاية لا تستقيم .

 

                                               *

 

لم تعد تثق فى أحد اذن ، لكن هذا الخطاب يشير الى شخصين آخرين عرفتهما فى نفس الفترة ، ولعلها فى سبيل تبرئة ساحتها ، لم تفطن الى مابين السطور ، وكنت أكاد أخمن شخصيتيهما ، فأحدهما كان أخى الذى حاول أن يسبر غورها أو يبعدها عن طريقى بوسائله الخاصة حسب ما أخبرنى ، وربما كان لتدخله هذا أثرا فى ابتعادها وتهربها المفاجىء.

 

أما ذلك الشخص الآخر الذى كان يوصل الأخبار لنديم يوميا ، فلم يكن أحدا سواى ، فقد تذكرت أن زياراته لى تكررت كثيرا فى تلك الآونة ، ولاحظت أنها أقفلت شباكها ذات مرة عندما تبينت أن شخصا مايجالسنى ، وعندها سألنى متخابثا : هل هذا هو الجو؟ ومن يومها كنت أقص عليه كل شىء دون أن أعرف أن علاقته بها أقدم وأوثق .

 

 تقول أنه كان فى حفل خطوبة أخت زوجها ذلك ، لأنه صديقه وكان ينتوى أن يخطب قريبة له ، وهو الحفل الذى حضرته تلك الليلة .. على حسابى !

 

ان الرغبة فى الانتقام التى يتحدث عنها نديم فى خطابه هذا ، اذا أخذت فى الاعتبار منذ السطر الأول وربطت بالأحداث التى مرت بها معى ، فانها اذن مفتاح الحقيقة الخفية فى تصورى ، قلت لها وقد تبلورت فى ذهنى رؤية متكاملة :

 

ــ أنت تكذبين فيما يتعلق بحلمى الشهيد باليمن ، كلا.. انه لم يغتصبك كما تريدين أن توحى الى .. ان حلمى لم يكن سوى مجنيا عليه ، وقد تطوع للقتال باليمن هربا من فضيحتك !

 

راحت تهز رأسها يمينا وشمالا ، وتشيح بيديها كمن يطرد شبحا مجهولا ، وتصدر صوتا مكتوما : لا.. لا..

 

واسترسلت غير مبال بتشنجها : وعندما وقعت فى حبائل هذا الموظف ، واكتشفت مبكرا أنه على علاقة بعايدة ، وأنه ليس له هدف سوى تجريدك من مستحقاتك عن زوجك الشهيد ، رفضت الاستسلام له ، ولما عرفت أنه على وشك الاقتران الفعلى بها ، وأنه سيطلقك فور استنزاف ماتملكين ، قررت الانتقام منه ، انه لم يقربك قط .. أليس كذلك ؟

 

صرخت : أرجوك .. كفى.. استحلفك بالله .. دع لى فتحى.. لم يعد لدى غيره .. انكم تقتلوننى .. لقد اغتصبتمونى ، وعبثتم بى ، وجردتمونى من كل ماأملك ، وتلعبون بى كالكرة ، وتريدون أن تلقوا بى فى الذل والمزبلة .. كفاكم .. كفاكم ..

 

وانحنت تريد أن تقبل قدمى ، تأثرت بنشيجها ودموعها ، وربت على كتفيها اللتين كانت تهتزان ، ومسحت على رأسها ، انها اذن ضحية لظروفها ، ولكنى لم أستطع الاستمرار مجاريا تمثيليتها الواضحة ، قلت بهدوء : طيب .. وماحكاية نانا ؟

 

رفعت وجهها مخضلا بالدموع ، التى اختلطت بالسواد والحمرة ، وفتحت عينيها دهشة !

 

                                              *

 

لقد جن جنونها عندما اكتشفت أن كل ماستحصل عليه هو 25 جنيها مقسطة على 5 شهور ، هى شهور العدة تقريبا ، ففكرت أن تحمل طفلا ، حتى تحصل على نفقة مستمرة !

 

وبالطبع لم يكن من السهل اكتشاف ذلك ، لولا أن حلمى نفسه طلب مقابلة نديم ليبلغه ــ بل يحذره ــ بكل بساطة أنه قرر أن يطلقها ، وأنه لاعلاقة له بها لأنه لم يقربها قط ، فقد كان هدفه واضحا منذ البداية !

 

وعندما سألت نديما لماذا يخاطبها باسم (نانا) بينما اسمها (مديحة) ، وقد اطلعت بنفسى على بطاقتها الشخصية بمناسبة الحديث عن عمرها وميلادها ، كانت المفاجأة فى تلك الضحكة الهستيرية التى يطلقها عادة فى مثل هذه المناسبات التى يستعصى فيها عليه فهم أمرما ، ثم قال وقد توقف فجأة عن الضحك :

 

ــ لقد رأيت بطاقتها أيضا واسمها (نادية) والجميع يخاطبها بهذا الاسم .. لعله اسم الدلع !

 

وعندما شرحت له وجهة نظرى ، وما توصل اليه تصورى تفسيرا لسلوكياتها ، وأوضحت له أنها كانت تركز كثيرا على عملية استئصال الرحم التى تدعيها ، وهى سلاح ذو حدين : فهى كفيلة من ناحية بألا يقدم أحد على الزواج منها اذا كان يريد أن يكون أبا ، بينما تشجع على اجراء علاقات معها دون خوف أو حذر .. اندفع واقفا كمن لدغته عقرب وصاح :

 

ــ أليس هذا صحيحا ؟ ... لقد خدعتنى بنت الـ....

 

وأسرع لا يلوى على شىء !

 

                                            *

 

ولم يكن أمر فتحى فى يدى .. فقد أبلغنى أنه خطب عزيزة !


 

                                           *

نهاية الجزء الاول

 

 

          

الصهوة و الصهيل (13)

 


                                 الرسالة الثامنة

 

             ( مرفق مع الرسالة السابعة فى مظروف مستقل)

 

22/2/1969

 

عزيزى /....

 

كنت قد أوشكت على النزول فى العيد ولكن أقنعنى الرائد..... بنظريته فى عدم نزولى الا فى دفعتى التى تحل بعد 1. أيام من تاريخ هذا الخطاب أى يوم 3/3 .

 

كل عام وأنت بخير والعائلة للمرة الثانية فى العيد الثانى من أعياد المسلمين ، ولا أستطيع أن أتجاسر هذه المرة على عاطفتى وأقول أنه أفضل لى أن أعيد هنا عن أن أعيد مع اللهو والمتعة عندكم فوالله انه لمنتهى الوطنية أن يحق لى العيد مع أهلى .. لأنه بالنسبة لى من الجائز أن يكون ذلك لآخر مرة !

 

ولكن هكذا شاءت الظروف الغادرة ، حتى أن غدرها يصل الى حد أنى كنت قد كتبت لك خطابين واردت أن أرسلهما مع الأخ تونى فنسيهما قبل أن يغادر الملجأ ، ثم حمدت الله على ذلك ، لأن فيهما أملا على ماكنت أعتقد من اللقاء فى العيد .

 

ليس هذا مهما الآن .. ولكن السؤال هو: أين خطاباتك ؟ أين ردك؟

 

أين أنت الآن منى فكريا وظروفا ، أريد أن أعرف هل أنت (مبسوط) مثلى ؟!

 

كيف حال أفكارك البيضاء والسوداء ، أين جملك الاعتراضية الظريفة؟

 

أين ملاحظاتك فى المجتمع والسياسة والاقتصاد ؟

 

من أين لى أن أعرف سير دراساتك وعلاقاتك ودورك حتى الآن فى وحدتك السياسية ؟

 

آسف لتعداد كلمة أين ؟ ولكن بودى ألا أقولها ثانية .

 

تمنياتى بعيد سعيد مع خروف أو لحمة لذيذة مع (البيرة) ، ولتقتصد جزء منه ندخره للنفقة معا أياما ومرحا حين أجىء وقد نسمع أم كلثوم معا ..

 

سلامى ( أسماء كثيرة) وللمخلصين ألف سلام ..

                                                                              أخــــــــــــوك

استوقف هذا الخطاب المركب انتباه زميلى ، كما أثار شجونى كما لم يثرها أى خطاب غيره ، والحقيقة أن هذا الخطاب كان نقطة تحول فاصلة فى تاريخ حوارنا المكتوب هذا .

 

انه يلح فى السؤال ، ويلح فى الكتابة ، يكاد يكتب مايشبه المذكرات ، ومن المؤكد أننى كنت مشغولا جدا فى تلك الأيام ، ومريضا أيضا ، وهو يشير الى حادث بسيط قد وقع لى فى تلك الفترة ، لكننى لم أنشغل عن الكتابة اليه ، فقد كانت اجازاته تصادف اليوم الخامس أو السادس من كل شهر ، وتنتهى فى اليوم الحادى عشر منه ، وكانت خطاباتى المتتالية التى تكاد تكون أسبوعية ، تغطى بقية الشهر.

 

لكن الفجوة الاخبارية لديه اتسعت نتيجة قضائنا لاجازته الماضية فى بلدته ميت كنانة وبسبب ضجره الذى لم يتح لى فرصة للتحدث اليه فى شؤونى ، هذا الضجر الذى لم يتخلص منه الا عندما عاد الى وكره المحبوب .

 

وكانت الأحداث داخلية وخارجية تكاد تلهى المرء عن شؤونه الخاصة ، فللمرة الأخيرة ، توجهت الى ادارة التجنيد ، فى منتصف يناير ، ولم يكن هناك هذه المرة ، أى سبب للتأجيل ، لا من جانبهم ولا من جانبى ، لدرجة أننى فضلت تأجيل دراستى العليا .

 

وكان طبيعيا أن أتسلم هذه المرة (مخلاتى) وملابسى ومهماتى العسكرية ، وقد ألحقت أو وزعت أو نسبت الى سلاح المدرعات أسوة بزملائى ، وكم كان سرورى بالغا بهذا التوجيه ، ولكن هذا السرور لم يدم للأسف سوى ليلة واحدة ، أمضيتها فى جناح الترحيل بالادارة بحلمية الزيتون ، بعد يوم طويل حافل بالاجراءات الادارية المملة .

 

وصباح اليوم التالى اصطففنا فى انتظار مندوبى الأسلحة لاستلامنا ، وكنت أفكر فى حياتى الجديدة المستقبلة ، واحتمالات اللقاء مع حسين فى أحد المواقع : ان أكبر مشاكلى تكمن فى دورة المياه ، وغسيل الملابس ، ولا أجيد منها شيئا ولا أطيقها .

 

ووصل مندوب سلاح المدرعات ، واذا به زميل عمل بالمؤسسة التى أعمل بها ، وسعدت جدا بهذا اللقاء ، الذى كان محل تفاؤلى الكبير ، وسرعان ما خاب فألى وأملى معا ، اذ حضر هذا الزميل ليخبرنى أن اسمى قد رفع من كشوف السلاح (المدرعات) ، وعلى أن أرجع للادارة للاستفسار عن سبب هذا الاستبعاد ، وقبل أن أتحرك سمعت اسمى ينادى فى مكبر الصوت مع اثنين آخرين ، لمراجعة الادارة ، وتوجهنا معا الى الصالة الكبرى ، التى أصبحت خالية الا منا وبعض الجنود الحرس ، حيث أقبل جندى منهم الينا ، ووزع علينا أوراقا ، وألقيت نظرة على الورقة التى سلمها لى ، ووجدت بين يدى خطابا يفيد اعفائى من التجنيد اعفاء نهائيا !

 

رفضت استلام الخطاب ، وتساءلت عن السبب ، تشاجرت مع مسؤول الصالة ، لاأحد يؤيد أن يجيب ، أخيرا اصطحبنى الى العميد .

 

فتح العميد ملفا أمامه ، وقال بهدوء : لا شىء يابنى ، ولكن صدرك تعبان شوية !

 

قلت له : أكيد من السجائر ، لقد دخنت كثيرا جدا يوم الكشف .

 

ضحك الرجل وقال : لا يابنى .. خده ياعسكرى الى صالة الكشف .

 

استقبلنى الرائد الطبيب أمام جهاز الأشعة وقال : اخلع ملابسك ..

 

ورفعت البلوفر الصوفى الكاكى اللون ، والفانيلة القطنية الصفراء ، لقد كنت فى ملابس التجنيد ، المخصصة لحملة المؤهلات العليا ، والتى يميزها هذا البلوفر الصوفى .

 

دفعنى العريف أمام الجهاز ، وفى لحظة أعادنى الى موقعى السابق ، فبادرنى الطبيب قائلا : ربع ساعة .. وتعال .

 

جاءنى العريف بعد ربع ساعة متهللا وهو يقول : مبروك ياعم ، سوف ترسل لك الشهادة على العنوان .

 

أى شهادة ؟ اندفعت الى الرائد وقد توترت كل عضلات جسمى ووجهى ، سمعت العريف من خلفى يصيح : أما صعيدى صحيح !

 

سمرتنى نظرة الطبيب الهادئة ووجهه المشرق ، ربت على كتفى ، وهو يقول : يوجد بعض التسمك بالرئة اليمنى .

 

ــ وماذا يعنى هذا ياسيدى ؟

 

قال : لا شىء ، هذا أمر يحدث ، ولكنه يعفيك من التجنيد ، لن تستطيع الجرى ، وستتعب من أقل مجهود من واجبات الجندية ، أنا آسف !

 

وهكذا أعفيت من آخر أمل فى الانضمام الى موكب البطولات ، غادرت مبنى الادارة شاردا ، مررت عبر الأماكن التى وقفنا بها ــ حسين وأنا ــ ذلك اليوم البعيد من عام 1967 ، عبرت الشارع وقد أمعنت فى الشرود ، ولم أفق الا فى المستشفى !

 

قالوا أنها دراجة بخارية ، لكننى أظنها ضربة القدر الشيطانية كما سماها حسين تقع فى اللحظة التى كان يصوب فيها قناصته الى رأس أحد الاسرائيليين!

 

ولا أدرى كيف سولت له نفسه أن يعقد هذه المقاربة !

                                              *

كان على أن أفعل شيئا بديلا ، هل يكفى أن أعود لاستئناف الدراسة رغم مرور عدة أشهر على بدايتها ، أم أعود الى التنظيم الذى كان قد اعتبرنى ضمن الجناح العسكرى (مجازا) ، أم أعود الى عملى ، وأعيد ماانقطع من حياتى المدنية ، الى مسؤوليتى فى لجنة الوحدة ، والى التهريج اليومى المعتاد ؟

 

لكننى رأيت وجوها متجهمة فى كل مكان ، حتى لدى بعض الجيران ، الذين استاؤوا لعدم التحاقى بالتجنيد ، وماذا أقول ؟

 

حتى الادارة بالمؤسسة رفضت تسليمى العمل قبل احضار مايثبت اعفائى من التجنيد ، أنا نفسى طلبت من يؤكد لى سبب اعفائى ، قال لى الدكتور خلاف : كل مافى الأمر أنك واجهت الثلاجة بصدرعرقان ،أو خرجت من مكان دافىء الى آخر بارد ، ولن يعيقك هذا عن أى شىء.

 

ولم أقتنع بذلك الا عندما قبلت للعمل بالمصانع الحربية بعد ذلك بعدة شهور ، حيث لم يشر الكشف الطبى الدقيق الى أى مانع طبى يعوق الانضمام للعمل بها .

 

                                             *

 

كان أول رد فعل رسمى بعد تسلمى العمل هو نقلى من وظيفتى التى تتسم بالحيوية الى وظيفة دفترية جدا ، بحجة أنها تحتاج الى مؤهلى الأعلى وتتناسب معه .

 

لكننى كنت أعرف الأسباب الحقيقية ، فقد راودهم الشك كثيرا فى تسريب بعض البيانات الهامة الى جهات رقابية ، وبالطبع لم يكن ممكنا أن تتجه الأنظار الى غيرى :

 

قال لى ادارى كبير: ألست عضوا فى المنظمة ؟ وزعيما فى لجنة الوحدة ؟

 

كأنما هى سبة ، كان هذا العداء السافر فاشيا بين الادارة والنظام ، كأنما كنا نمر فى مرحلة انتقالية بين نظامين ، رغم أنهم ــ هؤلاء الاداريين ــ لم يتبوؤوا مناصبهم الا بناء على قرارات تنظيم الصحافة التى جعلت من مالك المؤسسة موظفا بدرجة رئيس مجلس ادارة يتناول راتبا شهريا مثلهم تماما ، وجعلت منهم مديرين تنفيذيين يمررون قراراتهم شاء أم أبى  ويتناولون ماتتسع له ذمتهم من مزايا داخلية أو خارجية !

 

وكانوا الى ذلك يتميزون بالغباء الادارى والجهل السياسى ، قال قائل منهم أكثر نفاقا وأقل وعيا : أنت تعمل مع الشيوعيين !

 

كانوا يعتقدون فيما يبدو أن جمال عبد الناصر شيوعى !

 

وكانوا يجاهرون بذلك ، ولا أدرى كيف أمكن الجمع بين أمثال هؤلاء من خريجى ادارة المؤسسات الصحفية المحافظة أيامها ، وبين ادارة مؤسسة صحفية تعتبر أكثر هذه المؤسسات تقدمية ، وكان هذا الرجل ــ رحمه الله ــ مسكينا جدا ، لايكاد يعرف الفرق بين السما والعمى ، ومازلت أتساءل ان كان يحمل مؤهلا أعلى من الابتدائية الحديثة ، ويشهد على ذلك خطه الذى لايمكن أن يصدر الا عن معوق أو تلميذ مازال يحاول رسم الحروف رسما ، وكان أهم ما يميزه هو سجادة الصلاة التى لاتفارقه تحت ابطه أينما توجه ، قلت له مداعبا ببساطة : هل يمكنك أن تتمسك باتهامك هذا لو أننى أبلغت الجهات المسؤولة ؟ اصفر وجهه ، وارتجف ، ولاذ بسجادته موليا وأسرع خارجا من الغرفة وهو يحوقل ويعزبل !

 

                                            *

 

وكان هذا النقل مقدمة الى ماهو أسوأ ، فقد كان فخا منصوبا بعناية ، ورغم المقاومة وارادة الصمود الشديدة من جانبى ، فقد أحالوا حياتى الى جحيم : اللجنة النقابية تواصل طعنها فى الانتخابات ، والاداريون لم يعودوا يثقوا بى ، وعندما لجأت الى التنظيم بدا لى أنه ليس هناك تنظيم ، اما لأنى أعرف مالا يجب أن أعرفه عن بعض القيادات التنظيمية ، واما لأن النتائج المخيبة للآمال كانت قد صعدت بدورها الى القمة ، ففى انتخابات اللجنة التنفيذية العليا ، منى التنظيم بفشل ذريع ، لدرجة أنه رؤى الاكتفاء بسبعة بدلا من عشرة بمافيهم الرئيس ــ على ماأذكر، لقد كانت مرحلة انقلاب صامت على الناصرية !

 

الصهوة و الصهيل (12)

  


                                 الرسالة السابعة

 

17/2/1969

 

أخى العزيز

 

معى الآن قصيدة ليلة التنفيذ التى كلمتك عنها والتى تضايقت كثيرا عندما اكتشفت أننى نسيتها بالمعسكر، ونحن بالطريق فى شارع الهرم ، لن أكتبها لك وسوف أنزل بها ان شاء الله لندرسها سويا كما تعودنا ، لكننى لاأستطيع الانتظار على الأبيات العشرة التالية :

 

أبتاه ان طلع الصباح على الدنى                        وأضاء نور الشمس كل مكـان

...................                    .................

فاذكر حكايات بأيام الصــــــــــبا                        قد قلتها لى عن هوى الأوطان

 

وهذه الأبيات العشرة من 49 الى 59 بينما تبلغ القصيدة 71 بيتا نال بها هاشم الرفاعى جوائز عديدة منها جائزة الشعر بدمشق .

 

مصيبة كبيرة تحدث هنا ، وهى أن خطاباتك بدأت تفقد مرة أخرى ، وأنا أشك فى شخص معين ، ولا تقلق انه يأخذها لما بها من أسلوب غريب طبعا ، ولقد قرأت رسالتيك الأخيرتين على أفراد الكتيبة .

 

تصور ياخليل تعبت من السجاير البورسعيد وكنت أسعل الآن ..

 

أرسلت لك رسالة قبل هذه فيها ثرثرة عن الوجود والعدم .

 

حتى القلم ابن الـ.... (مش عاوز يكتب ..) هذه أسرع جملة كتبها ، لقد ضحكت الآن على ماكتبت !

 

رجاء تحضير بحث 5 يونيو للدكتور ذو الفقار وكتاب اللواء شيت خطاب عن اسرائيل ، وتحضير نفسك بعد15 يوما لنكون سويا ان شاء الله .

 

مر أمامى الآن أحد السناجيب (النمس) وهو لذيذ قوى ، ورحت أصدر له بعض الأصوات الحيوانية المفزعة ، فوقف يرقبنى وقد اعتراه الخوف ، وتمثل خوفه فى انتفاش شعره مثل شعر الانسان عندما يقف ( ولو أننى لم أر شعر الانسان يقف )

 

ان ذيله طويل ورأسه مثل القمع بدون بوز القمع .. ظريف جدا ..

 

أنا حاليا فوق الشجرة ، يعنى بعيد عنه ، وحتى لوكنت قريبا منه ، مثلما يحدث أحيانا أثناء الخدمة ، ويقف بجانبك .. لا تخف منه فهو (نمس) .. يعنى .. حاجة بسيطة !

 

أتعرف من الذى يعاشر أنثى الثعلب ؟

 

لا .. ليس ذكر الثعلب .. وانما النسور والصقور !

 

حقيقة .. اكتشفها العالم الحيوانى من فوق الشجرة !

 

منظر رهيب .. طائر يعاشر حيوانا .. والاثنان مفترسان !

 

أتعرف ماذا يحدث لو أمسكت الثعلبة به ؟

 

ستأكله أكلا .. علما بأنها هى التى تناديه بصوتها فيأتى اليها ثم يضرب على عينيها بجناحيه حتى يتم مهمته !

 

يذكرنى هذا بالمشروع الفرنسى : ان صوتنا عال جدا فى المطالبة بالحل السلمى كمن يقول : خلصونى .. والنبى .. سأقتله ان لم ترفعوه عنى .. ألم ندعهم نحن للقتال ؟!

 

أما بريطانيا فهى كالقواد .. الذى يحاسب الداخل والخارج ..

 

اطمئن .. فهذا الخطاب سيصلك مع الأخ تونى ..

 

أمر غريب حدث الآن .. جالسا فى وكرى الرفيع أكتب اليك ثم يأتى شخص لا على البال ولا على الخاطر ثم يقول لك (جواب) ثم يبينه لى من تحت وأنا فوق وأعرف أنه منك .. أليس هذا كافيا ؟

 

فاتركنى الآن كى أقرأ خطابك وأصبح مع كلماتك ، بعد ماكنت معك فى كلماتى اليك .

 

                                                                                     أخـــــــوك

 

                                           *

 

كان قد اتخذ موقعه فوق الشجرة ..

 

وأصبحت هذه الشجرة بيته الذى لايطيق البعد عنه حتى تلك الأيام الخمسة كل شهر والتى لايعيش منها الا تلك السويعات التى نقضيها معا ..

 

وخلال هذا الشهر تتواصل رسائلنا وحواراتنا عبر الكيلوات المائة والستون بين القاهرة والدفرسوار ، وكثيرا ماكنت أكتب على غلاف الرسالة من الخارج عنوانه ورقم الوحدة ورقم (جـ) ثم أكتب بين قوسين ( شجرة الخلود)  وبالداخل : الى الطير الرابض بأعلى غصن فى شجرة الخلود ..

 

ومن فوق هذه الشجرة ، التى لم أتشرف بمعرفة شكلها ، اتخذ قرار بدء حرب الاستنزاف!

 

ولكن لماذا نستبق الحوادث ؟

 

لقد كان خطابه هذا معبرا عن نفسية المقاتل الذى فاض به الكيل ، وللأسف لم يصلنى هذا الخطاب فى موعده المقرر ، فقد نسيه تونى ..

 

وكان واضحا لى أن الكيل قد فاض به ، خلال اجازته القصيرة فى أوائل فبراير لدرجة أنه لم يشأ حتى أن يسأل عن أخبارى ، وأراد أن يمضى اجازته خارج القاهرة ، التى قال لى أن أضواءها الكاذبة تعمى عينيه !

 

كثيرا ماكان يتحدث عن الترفيه بجميع أنواعه ، وأحيانا ماكان يصمم حفلات الترفيه بنفسه فى الخيال وعلى الورق ، ومازالت هذه الخربشات عندى ، وقلما كان ذلك يتم على نحو مايشتهى ، حتى حفلات أم كلثوم التى يعشقها أصبحت هراء !

 

وهكذا غادرنا القاهرة قرب المساء فى أول أيام اجازته ، الى قريته ميت كنانة بمحافظة القليوبية ، لقد اشتاق الى (قعدة) الشاى بالدوار ، والى نفس الجوزة (المعسل) مع أقاربه الفلاحين ، ووصلنا فى ساعة متأخرة من الليل ، وكان البدر فى تمامه ، والقرية غارقة فى سبات عميق .

 

ولاشك أن مثل هذه الرحلة فى ذلك الوقت المتأخر من الليل تعتبر مغامرة غير مأمونة العواقب ، لكننا كنا موفقين ، فقد كان أحد سائقى السيارات فى الموقف المخصص للوصول الى قريته ، قد تعطل حتى هذا الوقت المتأخر وظل طوال الطريق يتحدث عن الأرزاق ، وكيف يقسمها الخلاق ، حين ضاع منه (الدور) الأخير ليبيت فى قريته ، نتيجة ذلك الخلل المفاجىء فى ما يسميه سيارته ، ليعوضه الله عن ذلك بجنيه كامل قدمناه اليه عن طيب خاطر ليوصلنا الى دوار الحاج عبد الحميد واخوته أعمام حسين .

 

ولم يكن الظلام السائد على دور القرية ، يعبر تعبيرا صحيحا عما رأيناه عند وصولنا ، فقد كان الرجال مازالوا متحلقين حول راكية النار ، وبراد الشاى الضخم يكركر بالماء المغلى ، وكؤوس الشاى الصغيرة ، مازالت تنفث البخار ، وحتى بعض النساء والأطفال كانوا مابرحوا يغالبون النعاس .

 

واستقبل حسين استقبالا حافلا ، وعندما قدمنى اليهم بلقب الأستاذ ، لم يتنازلوا عنه طيلة الأيام الثلاثة التى أمضيناها بين ظهرانيهم .

 

وقدمت لنا معاملة خاصة تمثلت فى احضار الشلت والمساند من فوق أسرة العرسان الجدد واستحضرت قارورة فليت من بقال القرية الذى حضر للترحيب بنا .

 

ولأننا وجدنا صعوبة فى الجلوس على الأرض ، بسبب السراويل الضيقة ، استحضرت جلاليب صوفية نظيفة ، وخيل الينا أننا صرنا هارون الرشيد ووزيره جعفر فى زيارة من زياراتهما الشهيرة للرعية .

 

حتى السائق المحظوظ لم يتركوه يعود الى داره دون أن يتعشى معنا ، وكانت حركة غير منتظمة تسرى بالمكان حولنا ، وقد تعرفنا على أبعادها الاستراتيجية عندما قدم لنا طاجن الأرز المعمر ، والبطة الأم التى قدمت لنا مشوية بالزبد ومحشوة بالفريك ، والخبز الساخن الأبيض النظيف .

 

وعندما استمعت الى أحاديثهم عن المعركة والوطن ، ذهلت ، لقد كانوا على وعى تام بما يدور حولهم ، على أرض الوطن وخارجه ، وكان مبعث ذهولى هو تلك البساطة الآسرة التى يصيغون بها آراءهم .

 

كان هذا انطباعى ، ولكن حسين لم يبد كثير دهشة ، وظل يضحك كلما حاولت استيضاح بعض آرائهم !

 

واستيقظنا صباح اليوم التالى قرب العاشرة صباحا ، لم نجد أحدا من الرجال ، وقدمت لنا زوجة عم حسين (همام) الافطار المعهود من البيض المقلى والقشدة والعسل ، والفطير المشلتت الساخن ، وكان الطعام شهيا جدا ، لكن المشكلة كانت فى دورة المياه !

 

                                           *

 

قرب الظهر اصطحبنا أصغر أعمام حسين ــ همام ــ وهو شاب يقترب منا بالعمر، ليدعونا الى نزهة على ظهر حمار .. ومن باب التفكه جربت ذلك بمساعدة همام .. ليس سهلا ركوب الحمار!

 

أما حسين فقد توقف برهة ، وقد أصاخ السمع لصوت قادم من بعيد ، وكان ذلك صوت صهيل جواد ، ومن اقصى الأفق ، عبر بحر الخضرة الممتد حولنا ، كان فارس على صهوة جواده ، يثير الغبار من حوله ، يتقدم حثيثا نحونا ..

 

توقف حسين كالتمثال ، يراقب المنظر الفريد ، وقد تسمر فى موقفه هذا ، حتى وصل الجواد براكبه الى حيث نقف ، وألقى السلام مترجلا !

 

كان الحصان بنى اللون لامعا ، فيما كان الفارس قد اتشح بالبياض ، وترجل ، ليأخذ حسين مرحبا بالأحضان ، ثم صافحنى مرحبا ، وطلب من همام أن يريح الجواد ، عندما همس حسين فى أذن همام ، فاتجه هذا الى الفارس ذى الرداء الأبيض ، واستأذنه ، وبصعوبة بالغة بدت على وجه الرجل قال : ولكنه حصان غير مروض للركوب .

 

وأصر حسين ، الا أن همام حاول أن يريه ماذا سيكون رد فعل الجواد ، فوضع قدمه العارية مستعدا ليمتطى صهوة الجواد ، وفى لحظة كان هذا قد رفع قائمتيه الخلفيتين ، وصهل صهلة متشنجة كمن يعلن احتجاجه الشديد ، وأسرعنا الى همام الذى طوح به الحصان بعيدا على حافة الترعة ، ومع ذلك فقد أصر حسين ، حاولت اثناءه عن عزمه ، لكنه اشار على بالتزام السكون .

 

تقدم الحاج عبد المجيد أكبر أعمام حسين ، وربت على جبهة الحصان بلطف ، وامسك باللجام ، ودعا حسين الذى كان قد عاد الى ارتداء زيه العسكرى ، وعلى كتفيه شارة الرقيب ، وبثبات وضع قدمه اليمنى على حديدة السرج ، وفى اللحظة التالية كان قد استقر فوق صهوة الجواد ، ودون أن يعطى الفرصة لاسترداد الأنفاس ، كان قد غمز اللجام ، لينطلق الحصان من حيث أتى لايلوى على شىء .

 

لم أشعر بمثل هذا الشعور الذى انتابنى عندما رأيت الحصان وفارسه الجديد يكادان يختفيان عن أنظارنا ، الا بعد ذلك بوقت طويل ، عندما اضطررت مرة أن أوصل أخى الى الطائرة ، حيث عاودنى هذا الشعور عندما رأيت الطائرة تندفع الى الفضاء ، ثم تختفى عن الأنظار ، انه شعور من يستل منه شىء عزيز عليه !

 

هل يعود سليما ؟

 

مرت 15 دقيقة ، ثم انشق الغبار نفسه ، ليظهر الحصان وراكبه ، على خير مايكونان فى طريق العودة الينا ، وكان حسين متمسكا ومتماسكا ، حتى الكاب العسكرى ، لم يتزحزح من مكانه فوق رأسه .

 

ووقف الحصان وقفته الأولى ، وعندما ترجل عنه حسين ، رفع الحصان رأسه ، وشد رقبته ، ثم أطلق صهيلا طويلا ، كأنما يودع راكبه !

 

                                               *

 

” كنت آمل فى قضاء العيد معك ، ولكن يبدو أن هذا الأمل قد تضاءل ..

 

جاءت تعليمات صارمة تفيد الالتزام بمواعيد الدفعات ..

 

قرأت خطابك فوق الشجرة : جاء تحليلك للأغنية والجو الذى يجب أن يسود الآن متجنيا ، صحيح ان الكلمات (هرائية) ولكن اللحن والأداء .. جل شأن الله !

 

أشعر أنك فى ضيق ، خاصة وأنك تلقى ظلالا من التعتيم على أخبارك ، خاصة الفترة من 12/1 حتى اليوم 17/2 حيث يقترب عيد ميلادى الرابع والعشرين تصور!

 

بالنسبة لى أمر مذهل وانى أحمد الله أنى (كويس) حتى هذا العمر المديد !

 

هل تسمح لى الآن ؟ يبدو أن فى الأمر شيئا ..

  

                                                                                        نفس اليوم “

                                                

                                              *

 

وكان فى الأمر أشياء :

 

ان قصاصة حمراء غير مؤرخة تكشف السر ..

 

ولابد وأنها تقع فى الفترة من 17/2 الى 22/2

 

                                              *

 

” للمرة الثالثة فى خطاب واحد أجدنى مضطرا للكتابة ، فقد عجل خطابك الأخير الذى ذكرت فيه أنك مريض بالوصول قبل أن أوصد الباب على ظرف الخطاب ، نعم .. قبيلما يبتل الظرف بريقى لأغلقه وتحمله يد الأخ فهمى كى يوصله اليك !

 

أسفت جدا لما حدث معك ولكنى أحمد الله أنها ليست سوى (دراجة) ولعلها تكون كذلك فعلا ، ولا تقصد أن تخفى عنى شيئا أكبر لا قدر الله ، وعلى كل فالحمد لله أنك بألم بسيط وليزل باذن الله هذا الألم على (عجل) !

 

اننى أحس الآن بآلامك حتى لوكانت بسيطة ، ولكن ، ليكن عزاؤك أن هناك أرملة يهودية أوأسرة صهيونية تنتحب على من مات بقناصتى بل انهن ثلاث أرامل وثلاث أسر ، وليعل صراخهم حتى نسمعه عبر القناة ، كما كنا نسمع صرخات انتشائهم التى سنحرمهم منها باذن الله .فالقدر الساطع آت ، بجياد الرهبة آت ، وسيهزم وجه القوة والبغى ..

 

عزيزى / انى نشوان ، وعذرا فقد كتمت عليك ، ذلك لأننى كنت أعدها مفاجأة ، ولكنك أحسست بها وهذا غريب .. غريب حقا ، فالحقيقة أن تأجيل نزولى كان بهذا السبب ، ولقد رحبت ، لأننى كل يوم أضبط العديد من القناصات لزملائى بجانب واجبى ، والى أن نلتقى وأفيض لك وأسهب ، وليكن هذا عزاؤك عن اصابتك الطفيفة : باقة ورد على الطريقة النضالية.

 

ولا أريد أن أبالغ فأقول ان هذا كان انتقاما الهيا منى فى شخصك (!) فشتان مابين أصحاب حق ، ومعتدين بغاة !

 

ولابد أن لديك تفسيرا أفضل ، رعاك الله وشفاك عاجلا ، وكل عام وانت بخير ، وعيد سعيد ان شاء الله ، سلامى الى بدرية ، والى اللقاء فانى على عجل من الأمر الآن ، وليكن لقاؤنا قريبا .. قريبا ..

 

ملحوظة : لم أذكر لك قتلى اليهود الا لأن الخطاب مرسل باليد ، وليكن هذا سرا .. أرجوك .. وستعرف لماذا حين أجىء .“

 

                                              *

 

ولقد عرفت لماذا .. هاقد اعتليت الصهوة كاملة ياأبا على !

 

كنت قد شعرت أن لحسين يدا فيما يحدث على الجبهة تلك الأيام ، لقد بدأت بعض الطلقات تنطلق رغم الأوامر المشددة ، لقد كان الاستفزاز الخارجى والداخلى أكبر مما يطاق أو يحتمل.

 

مرض الخنادق بدأ يصيب الجنود ، وكانوا على الجانب الشرقى للقناة يمارسون الجنس أمامهم ، وينزلون فى مياه القناة نفسها عرايا أوشبه عرايا ، وكانت ميكروفوناتهم وأغانيهم الصاخبة تصل أصواتها فى الهزيع الأول ، والأخير من الليل ، وطوال النهار .

 

وكان بعض جنودنا لا يتحملون !

 

وكان حسين قد تلقى فرقة قناصة ، وفرقة مخابرات ، وفرقة صاعقة حتى ذلك التاريخ ، وكانت تقديراته فى الفرقة الأولى بالذات عالية المستوى ، فقد جاء ترتيبه الأول بمعدل 1..% ، كما كانت قياسات النظر لديه (حاد) !

 

وعندما طالعت الخبر الصغير فى الجريدة الصباحية : قناص مصرى يصيب ضابطا اسرائيليا كبيرا ، لم أتردد لحظة ، هو لاغيره .

 

وكدت أقرأ اسمه بين السطور ، ولكننى لم أستطع الجزم ، الا أننى لابد وقد أشرت الى ذلك ، عندما ربطت بينه وبين تأجيل نزوله الذى بلغنى شفاهة مع الجندى الذى نسى الخطابات .

 

وهاقد صح تقديرى ، وهاهو يسر لى أنه قتل ثلاثة !

 

هاقد اهتزت شجرة الخلد ، هاأنت بدأت تنتقم (لنا) ياحسين ، بيدنا ..

 

تريد أن تسمع صراخ أهل القتلى الثلاثة بدلا من الموسيقى الصاخبة والعرى المستفز على أرضنا الحبيسة !

 

” فلله درك .. وسلمت يمينك يابطل الأبطال ..

لتسقط اذن دعاوى السلام المتهالك ..

وليضرب النسر العربى على عيون الثعلبة الماكرة حتى يفقأهما !

وليتركها نهبا لكل حشرات الأرض “

 

كتبت اليه ذلك وأكثر منه ، ولكن خطاباتى كانت تضيع !

 

                                            ***